فخر الدين الرازي
205
الأربعين في أصول الدين
وأما من ينكر الفاعل المختار ، فيلزمه هذا الاحتمال أيضا . لأن سبب حدوث الحوادث في هذا العالم بتشكلات فلكية واتصالات كوكبية - على مذهبه - ولا يبعد أيضا : أن يحدث في الفلك تشكل غريب يوجب حدوث هذه الحوادث ، في هذا العالم . فثبت : أن هذا الاشكال ، لازم على كل الفرق . والجواب عن الشبهة الثانية : ان الكرامات والمعجزات - وان اشتركا في كون كل واحد منهما أمرا خارقا للعادة - ولكن تمتاز المعجزة عن الكرامة من وجوه : أحدها : ان الدعوى شرط في النبوة ، وليست شرطا في الكرامة . وثانيها : ان الحاصل في النبوة ادعاء النبوة ، وفي الكرامة اما أن لا تحصل الدعوى . أو ان حصلت لكنها لا تكون دعوى النبوة ، بل دعوى الولاية . وثالثها : ان المعجزة لا تكون لها معارضة ، والكرامة قد تكون لها معارضة . والجواب عن الشبهة الثالثة : ان هذا الّذي ألزمتموه علينا ، لازم عليكم في المعجزات . وذلك لأنه تعالى إذا بعث جمعا كثيرا من الأنبياء ، فظهر على يد كل واحد منهم فعلا خارقا للعادة ، فحينئذ تصير الخوارق للعادات موافقة للعادات . وذلك يقدح في كون المعجزة معجزة . وان قلتم : ان تكثير المعجزات انما يجوز بشرط أن لا يصير انخراق العادة عادة ، كان هذا هو جوابنا في الكرامات . والجواب عن الشبهة الرابعة : ان دليل النبوة ليس هو الفعل الخارق للعادة فقط ، بل هو الفعل مقرونا بدعوى النبوة مع عدم المعارضة . وهذا المجموع لا يحصل لغير الأنبياء ، فلا يلزم سقوط وقعها . والجواب عن الشبهة الخامسة : ان ظهور الكرامات عليه ، لا يوجب كونه صادقا في جميع الأمور ، فلا جرم يجوز مطالبته بالبينة . وبالله التوفيق .